ابن أبي الحديد

107

شرح نهج البلاغة

فقابل بين " هاتا " وبين " تلك " ، وهي مقابلة معنوية لا لفظية ، لان " هاتا " للحاضرة ، و " تلك " للغائبة ، والحضور ضد الغيبة . وإما مقابلة الشئ لما ليس بضده ، فإما أن يكون مثلا أو مخالفا . والأول على ضربين : مقابلة المفرد بالمفرد ، ومقابلة الجملة بالجملة . مثال مقابلة المفرد بالمفرد قوله تعالى : " نسوا الله فأنساهم أنفسهم " ( 1 ) ، وقوله : " ومكروا مكرا ومكرنا مكرا " ( 2 ) ، هكذا قال نصر الله بن الأثير . قال : وهذا مراعى في القرآن الكريم إذا كان جوابا كما تقدم من الآيتين ، وكقوله : " وجزاء سيئة سيئة مثلها " ( 3 ) ، وقوله : " من كفر فعليه كفره " ( 4 ) . قال : وقد كان يجوز إن يقول : " من كفر فعليه ذنبه " ، لكن الأحسن هو إعادة اللفظ ، فأما إذا كان غير جواب لم تلزم فيه هذه المراعاة اللفظية ، بل قد تقابل اللفظة بلفظة تفيد معناها ، وإن لم تكن هي بعينها ، نحو قوله تعالى : " ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون " ( 5 ) ، فقال : " يفعلون " ولم يقل " يعملون " . وكذلك قوله تعالى : " ففزع منهم قالوا لا تخف " ( 6 ) ، ولم يقل : " قالوا لا تفزع " . وكذلك قوله تعالى : " إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون " ( 7 ) ، ولم يقل : " كنتم تخوضون وتلعبون " .

--> ( 1 ) سورة الحشر 19 . ( 2 ) سورة النمل 50 . ( 3 ) سورة الشورى 40 . ( 4 ) سورة الروم 44 . ( 5 ) سورة الزمر 70 . ( 6 ) سورة ص 22 . ( 7 ) سورة التوبة 65 .